الأربعاء   13 ديسمبر 2017  
"الثقافة السياسية"التعددية السياسية
2012/02/27 - 41 : 07 PM
تختلف المجتمعات في العالم طبقاً لمكوناتها، فهناك مجتمعات تتميّز بتنوع جماعاتها الإثنية والقومية، ومجتمعات أخرى تشهد وجود تيارات سياسية تتبنى أفكاراً مختلفة عن الأخرى، ومجتمعات ثالثة تتسم بتنوع الأديان والمذاهب فيها. فكيف يمكن التوفيق بين هذا التنوع الذي يتفاوت من مجتمع لآخر بحيث يكون هناك ضمانات تؤدي إلى حماية الأمن والاستقرار فيها بشكل يساعد على حماية مكتسباتها ويضمن تطورها الحضاري؟.

التنوع والاختلاف الذي نتحدث عنه هنا يسمى من الناحية العلمية بالتعددية السياسية وهو مفهوم سياسي ظهر عندما بدأت الأفكار تظهر بشأن الأنظمة الديمقراطية وظهور التنظيمات السياسية من أحزاب وجمعيات وجماعات وغيرها. كما أن هذا المفهوم له أصول في الفكر السياسي الإسلامي عندما قامت الدولة الإسلامية منذ بداياتها بإيجاد صيغ محددة لاستيعاب مكوناتها المتعددة من مسلمين ومسيحيين ويهود ومجوس.. إلخ. أما التعددية السياسية بشكلها الحديث فقد نظّر لها المفكر الانجليزي جون لوك عندما تحدث عن الدولة المدنية في العام 1689، وهي الدولة التي تقوم على الرضا بين كافة مكوناتها وليس على السلطة المطلقة.
التعددية السياسية تختلف في شكلها، ولكنها تتفق وتتشابه في مضمونها، فهي تعني بشكل أو بآخر مشروعية تعدد القوى والجماعات وحقها في التعايش بعضها بعضاً، وأن يكون لها الحق في التعبير عن ذاتها، وأن تتاح لها الفرصة للمشاركة في التأثير في صناعة القرار السياسي داخل المجتمع.
مثل هذا المفهوم للتعددية السياسية يقتضي مجموعة من العناصر الأساسية التي لا يمكن تحقيق مبدأ التعددية السياسية إذا لم تتوافر بحكم تطور التجارب الإنسانية والحضارية في العالم. ويمكن عرض هذه العناصر في الآتي:
أولاً: ضرورة الاعتراف بوجود التنوع في المجتمع، بحيث يتم هذا الاعتراف ضمن الهوية الوطنية الجامعة لكافة مكونات المجتمع. بالتالي فإنه من الضروري لتحقيق التعددية السياسية أن يكون هناك اعتراف متبادل بين كافة مكونات المجتمع بأن هناك تنوعاً فيما بينها، وهذا التنوع لا يعني تماماً إنكار خصوصيتها، أو إنكار مواقفها ومصالحها داخل المجتمع، وهي أمور ينبغي الاعتراف بها. وذلك لا يعني أيضاً أنه لا توجد هويات فرعية في الدولة، بل فرعية وجودها طبيعي ضمن الهوية الوطنية.
فعلى سبيل المثال نجد أن المجتمع البحريني يتميّز بتنوعه من الناحية الإثنية بوجود طوائف متعددة، وكذلك الحال بالنسبة لوجود تيارات سياسية مختلفة تتبنى قيماً وأفكاراً مختلفة عن بعضها بعضاً. وعليه فإن التعددية السياسية تتطلب اعترافاً جماعياً ومتبادلاً بين هذه المكونات بوجود التنوع فيما بينها. ولكن ما يجمع هذه المكونات هو الهوية الوطنية البحرينية القائمة على هذا التنوع الفريد، وهو تنوع طبيعي وليس مصطنعاً ظهر بحكم تكوين المجتمع وفقاً لمعطيات الجغرافيا السياسية وكون البحرين أرخبيلاً من الجزر ساعد على وصول العديد من الهجرات لها من مختلف أرجاء العالم منذ قرون طويلة.
ثانياً: أن يكون هناك احترام جماعي ومتبادل لهذا التنوع وقبول ما يترتب عليه من اختلافات في الاتجاهات والمصالح والاهتمامات وحتى الأولويات. فالاعتراف بوجود التنوع نفسه لا يكفي، بل يجب أن يكون هناك شكل من أشكال القبول الطوعي والاحترام لهذا التنوع، ويعني ذلك أن قبول الخصوصية لكل مكون من مكونات المجتمع، ولكل الآراء والأفكار مادامت تقوم على الاعتراف وعدم التعدي على خصوصية الآخر واهتماماته ومصالحه.
هذا الأمر لا يعني الحرية المطلقة لكل مكون من مكونات المجتمع في ممارسة أنشطته والتعبّير عن آرائه والدفاع عن مصالحه، بل الحرية تنتهي وتتوقف عندما تصل إلى درجة إنهاء حرية المكونات الأخرى. وهو ما يتيح هامشاً واسعاً من العمل والحراك السياسي داخل المجتمع.
ثالثاً: أن تكون هناك آليات وأطر مناسبة ومتوافق عليها للتعبير عن الآراء وحماية المصالح بشكل يضمن التوافق الجماعي، ويحقق المصالح المشتركة العليا. ويمكن تحقيق هذا العنصر الأساسي من عناصر التعددية السياسية بإيجاد نظام سياسي يكفل لجميع الأفراد والجماعات والتنظيمات الحرية في التعبير عن الرأي، وحماية المصالح، وتحقيق التطلعات المشتركة وفقاً للأنظمة والقوانين المعمول بها.
لذلك عندما طرح مشروع ميثاق العمل الوطني في استفتاء شعبي عام خلال فبراير 2001 كان الهدف منه هو إيجاد صيغ وأطر مناسبة داخل النظام السياسي البحريني تتيح لكافة الأفراد والجماعات والتيارات والتنظيمات للتعبير عن آرائها وحماية مصالحها والتعبير أيضاً عن تطلعاتها المستقبلية.
فالتحول للنظام الديمقراطي من خلال ميثاق العمل الوطني والتعديلات الدستورية التي أجريت في فبراير 2002 كان الهدف منه تطوير الآليات داخل الدولة لاستيعاب كافة مكونات المجتمع بشكل حديث يتوافق مع حقوق الإنسان ووفقاً لأحدث أسس الديمقراطية التي وصلت لها التجارب الإنسانية الحضارية.
نخلص من هذا العرض إلى أن التعددية السياسية تستهدف مكونات المجتمع المختلفة وهو ما يتطلب منها الاعتراف والاحترام المتبادل ووجود أطر وآليات مناسبة لإدارة العلاقات فيما بينها.
النتيجة النهائية للتعددية السياسية هي وجود شكل من أشكال التعايش السلمي، وعدم إقصاء الآخر وتغليب المصلحة الوطنية العليا على المصالح الذاتية للأفراد والجماعات والتنظيمات المتنوعة داخل المجتمع الواحد. وبالتالي فإن أية ممارسات تكون خارجة العناصر الثلاثة التي تم بيانها سابقاً تعد ممارسات خارج إطار التعددية السياسية. خصوصاً وأن التعددية تتوافق وتحترم مع الهوية الوطنية الجامعة التي تقوم على احترام ثوابت المجتمع وخصوصيته، وكذلك احترام دستوره وقوانينه وأنظمته في مختلف المجالات.
معهد البحرين للتنمية السياسية
للتواصل [email protected]

عدد القراءات : 5784         اخر تحديث : 2012/02/27 - 41 : 07 PM