تجربة إقليمية ودولية للبحرين في مجال توفير خدمات الرعاية لكبار السن

  • article

المنامة في 01 أكتوبر/ بنا / يعرف قانون رقم 58 لسنة 2009 بشأن حقوق المسنين، بأن "المسن" هو كل مواطن قد أكمل سن 60 عاما من عمره، وتمثل الفئة العمرية التي تزيد عن 65 عاما في مملكة البحرين بنحو 2.4 % من مجموع السكان والذي يقدر بمليون ونصف المليون تقريبا.


وبحسب تقديرات الأمم المتحدة فقد بلغت نسبة المسنين البحرينيين نحو 5.4 % من إجمالي عدد السكان عام 1991، وارتفعت هذه النسبة عام 2001 لتصل إلى 5.7 %، ثم زادت إلى 6.3 % عام 2007، ويتوقع أن ترتفع هذه النسبة لتصل إلى 14.2 % عام 2025 ، و24.3 % عام 2050.


ويعود هذا الارتفاع الملحوظ في أعداد المسنين البحرينيين إلى سببين رئيسيين، الأول: زيادة معدل المواليد، الأمر الذي ينتظر معه مستقبلا اتساع حجم فئة كبار السن، حيث تحتل البحرين المركز الـ 42 عالميا والـ 8 عربيا ضمن قائمة أسرع معدل نمو سكاني في العالم بنسبة نمو سنوي لا تقل عن 2.13 % للفترة من 2010 إلى 2015 ، والثاني: يتعلق بجودة الخدمات الصحية والحياتية المقدمة للسكان، وتحديدا لكبار السن، وهي الخدمات التي ساهمت كثيرا في ارتفاع العمر المتوقع للحياة، إذ بلغ أكثر من 76 عاما، ومن ثم الانخفاض الملحوظ في نسبة الوفيات، حيث تحتل البحرين المركز الـ 3 عالميا وعربيا بتسجيلها لـ 2.8 حالة وفاه في كل 1000 نسمة وذلك للفترة 2010-2015.


وتفرض هذه الأرقام تحديا كبيرا على الأجهزة المعنية، وبالذات تلك المختصة بالرعاية الاجتماعية، وذلك لزيادة جهودها الخدمية والرعائية الموجهة للمسنين، حيث تقدم البحرين نموذجا رائدا وسباقا في حجم وطبيعة ومستوى الخدمات المقدمة لرعاية كبار السن ليس فقط على مستوى المنطقة، وإنما العالم أيضا.


وتتوزع جهود الرعاية والخدمة على المستويين الحكومي والأهلي معا، حيث تقود اللجنة الوطنية للمسنين التي أنشئت منذ عقود خلت تحركات وإجراءات المملكة التنظيمية ناحية الاهتمام بفئة كبار السن، وتعد واحدة من أولى اللجان المعنية بخدمة المسنين في المنطقة، خاصة أنها أنشئت منذ العام 1984، وأعيد تشكيلها لأكثر من مرة طوال العقود الثلاثة السابقة لمواكبة ومراعاة المستجدات التي طرأت على المجتمع، خاصة لجهة زيادة فئة المسنين.


وتعد مملكة البحرين إحدى الدول القليلة في المنطقة والعالم أيضا التي تنبهت مبكرا لأهمية إصدار قانون خاص بالمسنين، حيث قامت عام 2009 بسن قانون مخصص لحماية ورعاية فئة كبار السن وفرض العقوبات على من يتجاوز في حقوقها، وذلك بالإضافة إلى عدة قوانين أخرى يندرج ضمن فئات الاهتمام بها كبار السن والفئات الأخرى ذات الاحتياجات الخاصة كقانون الضمان الاجتماعي وقانون الصحة وغيرها.


وتنبني رؤية البحرين الخاصة برعاية المسنين على عدة مرتكزات، أولها: الإنساني، حيث تلتزم المملكة بالقيم الإنسانية التي تكفل الحياة الكريمة للمسن وأسرته، ثانيها: الديني الذي يفرض مراعاة التراحم والمودة أثناء مراحل التغير والتحول العمري لدى أبناء البشر، ثالثها: القانوني، حيث ينص الدستور الوطني في مواده وروحه على أهمية والصلة والأمن والطمأنينة وتعزيز وشائج التماسك والترابط بين أبناء المجتمع ككل وليس أفراد الأسرة فحسب.


وبذلك سعت البحرين إلى ترجمة هذه المرتكزات على أرض الواقع من خلال سياسات وإجراءات وبرامج وأنشطة استهدفت جميعها إدماج المسنين وسط مجتمعاتهم الصغيرة وتلبية احتياجاتهم من حيث تقديم خدمات الإيواء الدائمة والمؤقتة والمتقطعة وتوفير المساعدات المادية والعينية التي ربما لا يستطيع بعض المسنين العيش بدونها كالأجهزة التعويضية.


فضلا بالطبع عن الدعم المالي والمعيشي والحياتي الذي قد يستفيد منه أسر المسنين أيضا بهدف دعم الروابط الأسرية والوسط العائلي والاجتماعي الذي يعيش فيه دون إحداث قطيعة أو عزلة كاملة.


وإذا كانت الدولة ممثلة في وزارة العمل والتنمية الاجتماعية تتولى عملية التنظيم وقيادة الجهود الموجهة لخدمة ورعاية المسنين سواء عبر اللجنة الوطنية والأقسام الإدارية المختصة بالوزارة أو من خلال الاستراتيجية والخطة الوطنية لكبار السن ومكتب خدمات المسنين ومراكز ودور الرعاية الاجتماعية الحكومية، فإن دورا محوريا لا غنى عنه تقوم به منظمات المجتمع الأهلي في المملكة ناحية احتياجات فئات كبار السن، وذلك في إطار مسؤولياتها الاجتماعية، وبالتعاون والتنسيق وتحت إشراف الوزارة المختصة.


ويمكن إبراز ذلك بالإشارة إلى دور وأندية المسنين، والتي تتوزع خدماتها على دور الرعاية الإيوائية كتلك التي تقدم داخل دار بنك البحرين الوطني للمسنين المنشئ عام 1985، ومركز المحرق للرعاية الاجتماعية، الذي أنشئ عام 1995، وتقدم هذه الدور خدمات شاملة للمسنين، وهي تتولى بدورها عملية الرعاية المنزلية عبر ما يعرف بالوحدات المتنقلة للمسنين، والتي بدأت منذ العام 1994 عبر وزارة الشؤون الاجتماعية ثم انتقلت لوزارة الصحة عام 2007.


وتتكون فرق الرعاية المنزلية من فرق عمل متخصصة (كانت في مرحلة سابقة 5 للرجال و5 للنساء، وباتت الآن خمسة فرق فقط)، وتنطلق من بعض المراكز الصحية عبر سيارات إسعاف مجهزة، وتقوم بزيارات منزلية للمسنين في بيوتهم (نحو 20 حالة أسبوعيا) لتقديم الخدمات اللازمة لهم من رعاية صحية وتمريضية وإرشاد أسري إضافة إلى العناية الشخصية وتوفير الاحتياجات المناسبة للمسن في بيته ووسط أسرته، وقد بلغ عدد الحالات المستفيدة من هذه الخدمة عام 2010 نحو 963 مسن من خلال 15891 زيارة.


أما دور الرعاية النهارية للوالدين فتقوم بها عدة جمعيات أهلية في إطار الشراكة المجتمعية بينها وبين الوزارة المختصة، وهي دُور موزعة في شتى مناطق المملكة مثل سترة (2009) وأم الحصم (2009) والمحرق (2009) والرفاع وبوري (2008)، فضلا عن دار عبد الله يوسف فخرو (2014) ودار عبدالرحمن بن جاسم كانو  (2011) والمنار (2001) ويوكو (1995).


وتتولى هذه الدُور والأندية توفير كافة الخدمات التي يحتاجها المسنون بداية من الرعاية والتأهيل وتدعيم دور الأسرة التي يعيش فيها المسن وانتهاء بعمليات إدماج كبار السن في المجتمع وزيادة مشاركاتهم في المجتمع عبر الأعمال اليدوية والمعارض الأنشطة الترفيهية وتوسيع فرص الاستفادة من خبرات المسنين مرورا بالطبع بالخدمات الصحية والوقائية والعلاجية.


ولا شك أن قرار صاحب السمو رئيس الوزراء الموقر في مايو 2018 الماضي بإعادة تشكيل اللجنة الوطنية للمسنين وتضمينها عددا من رؤساء مجلس إدارة الجمعيات الأهلية التي تتولى إدارة دور وأندية رعاية الوالدين سيسهم إلى حد كبير في مواصلة نجاحاتها التي حققتها طوال الفترة الماضية، وسيدفعها إلى رسم وصياغة العديد من البرامج والأنشطة التي ترفع من مستوى جودة الخدمات الرعائية المقدمة لكبار السن في المملكة.


ويتزامن هذا التطور مع خطط وزارة العمل والتنمية الاجتماعية الطموحة لزيادة عدد أندية الوالدين النهارية إلى20 داراً ونادياً في مختلف محافظات المملكة، وذلك بحسب تصريحات أخيرة للوزير المختص اعتبر فيها أن نجاح هذه الأندية في القيام بدورها وزيادة مؤشرات الإقبال عليها يجسدان حقيقة الشراكة المجتمعية بين الوزارة والمجتمع، ويدفعان إلى زيادة المخصصات المالية الموجهة للجمعيات الأهلية العاملة في هذا القطاع الحيوي، ويضمنان في الوقت ذاته تنفيذ رؤية الوزارة واستراتيجيتها المستقبلية لضمان جودة حياة المسن وتوظيف مهاراته وخبراته لخير المجتمع المحيط ونفعه.


كتب: محمد شحات 




ل.ب/و.ش


بنا 0829 جمت 01/10/2018